الجمعة، 13 أكتوبر 2017

المحاسبة وعلاقتها بالسياسة

المحاسبة بوصفها احد العلوم الاجتماعية وهي تعتبر لغة الاعمال كانت قد شهدت جملة من التطورات وابتعدت عن مهامها التقليدية في قياس نتيجة النشاط من ربح او خسارة والمركز المالي ، وتوصيل نتائج هذا النشاط الى الجهات ذات العلاقة سواء اكانت داخل الشركات او خارجها من مستثمرين ومقترضين ودوائر الضريبة والرقابة المالية ..الخ ، لتتوجه نحو ان يكون لها دورا في العديد من الانشطة المجتمعية وحتى التاثير بها ، لما تمتلكه من ادوات ووسائل تساعدها في القيام بهذه المهمة وانتاج المعلومات المحاسبية .

حتى ان الاشخاص والجهات الذين لايستلمون المعلومات المحاسبية بصورة فعلية فانهم من ناحية او اخرى سوف ياثرون بافعال وسلوك الافراد الذين يستلمون المعلومات المحاسبية وتكون احداهم ووسائلهم في اتخاذهم القرارات لمختلفة لذا فاننا يمكن ان نتوسع من دائرة مستخدمي المعلومات المحاسبية لتشمل كافة فئات المجتمع والانشطة التي يقومون بها ومن ضمن هذا الانتخابات وتوجهات السياسة العامة للدولة سواء اكانت داخلية ام خارجية

لذا لايمكن انكار ان البيئة المحاسبية هي بيئة سياسية فان المعلومات التي يطرحها النظام المحاسبي في قوائمه المالية (كشف الدخل ، الميزانية العامة )وغيرها لها بشكل او باخر تاثير اجتماعي ، اذ ان سلوكية العديد من الناس والمنظمات والجماعات سوف تتاثر بهذه المعلومات المحاسبية وهنا تبرز لنا حالة من الصراع بين :

1- حياديه المعلومات المحاسبية كون ان يكون علم المحاسبة علم فني مهني يضع امكاناته العلمية والفنية في خدمة المجتمع والا انعدمت الثقة في المحاسبة .

2- تلبية رغبات ذوي المصالح الذين يستخدمون المعلومات المحاسبية ، وان تكون مقبولة من قبل المجموعات السياسية القوية .
ويجب في هذه الحالة ان يتم التوفيق بين ذلك ويطرح دولند كيرك رئيس مجلس معايير المحاسبة المالية السابق رايه بالقول “انا لا انكر لكي يمكن مجلس المعيير المحاسبية المالية من العمل بفاعلية فيجب ان يكون لديه نوعا من الذكاء السياسي ، ولكن حتى في هذه الاوقات التي تسود فيه التعددية السياسية ويجب ان لايسمح لعملية اعداد الكشوفات المالية ان تصبح اداة بين السياسين “
وان حصل هذا فان المعلومات المحاسبية سوف تفقد ثقة الغير والمصداقية التي يفترض من ان تكون عليها .
لان هدف السياسة هي ان تكون المحاسبة احد ادواتهم في :
1- تحديد مستويات المنافع العامة و تنظيم كميات وانواع الخدمات المعروضة والمرشحة للتنفيذ مستقبلا .
2- رسم السياسة الضريبية بالشكل الذي تحقق فيه منفعة وعدالة اجتماعية
3- تنظيم واجراء الحملات الانتخابية

وتحاول ان تغير وتطور اساليبها واجراءاتها مستفيدة من مبدأ المرونة الذي يتمتع به النظام المحاسبي ، وبالقدر الذي يتوافق مع المتغيرات السياسية والاقتصادية الدولية . فكانت المعايير المحاسبية والرقابية الدولية احدى ابرز مظاهر الاستجابة المحاسبية في عالم اليوم وفي هذه الحالة ووفق هذا الفهم والتصور لابد لها ان تتأثر بالسياسة الدولية وان يكون لها بعد سياسي واضح .

ان السياسة هي فن الحكم وادارة اعمال الدولة الداخلية والخارجية ، وهي بهذا التعريف تشكل الخيمة التي تندرج تحتها الانشطة والفعاليات المجتمعية ، ولما كانت المحاسبة في ابسط ادق وتعريف لها في القياس والتوصيل ، اي قياس لنتائج الاعمال والمركز المالي وتوصيل نتائج هذا القياس الى الجهات المستفيدة سواء اكانت داخل المنشاة او خارجها . والجهات التي تهمنا هنا هي الجهات الخارجية والتي تشمل مجموعة كبيرة من المتعاملين والمؤثرة في المنشاة مثل المستثمرون والمقترضون ودوائر الدولة (ضرائب ، هيئات رقابة ، تخطيط ….الخ )المصارف ومراكز البحث العلمي ، الاحزاب السياسية وغيرها ، لذا فان المحاسبة هي الجهه الرئيسية التي يمكن لها ان تزود هذه الاطراف بما تحتاجه من بيانات ومعلومات مختلفة يمكن ان تستفيد منها في صنع اتخاذ القرارات ، اذا ان النظرية السياسية تقوم حول مجموعه من الافتراضات المعينة من خلال استخدام البيانات المحاسبية في العملية السياسية اذا ” تستخدم الارقام المحاسبة لوضع معدلات المنافع العامة وتنظيم كميات وانواع الخدمات المعروضة ورسم السياسة الضريبية واجراء الحملات الانتخابية ، حيث يحاول السياسيون واعضاء الاحزاب السياسية جعل انفسهم في صورة افضل فيما يتعلق باقتراح حلول للازمات التي تسبب ارباح منخفضة ويكتسبوا خلال ذالك تحسين فرصة اعادة انتمائهم مرة اخرى كما تستخدم الارقام المحاسبية في وضع ارشادات السعر الاختياري لرقابة التضخم “

لذلك فان تاثير السياسة العامة وجد انعكاساته المباشرة في العملية المحاسبية حتى سارت المحاسبة باتجاه التسييس في دول ومظاهر عدة . بحيث لم يكن هناك اي شك في كون البيئة التي تعمل بها المحاسبة هي بيئة سياسية . اذ ان مخرجات النظم المحاسبي ذات تاثير اجتماعي وان سلوكية وتوقعات العديد من الافراد وحتى الاحزاب السياسية يمكن لها ان تتاثر بما تحويه من ارقام وبالتالي فان السياسة في احيان كثيرة باتت توجه المحاسبة وفي هذا المجال يقول البرفسور may “يبدو من الواضح ان هناك اعترافا بالصالح العام لكشوفات المالية، وعليه فليس من المستغرب ان يكون مجلس معايير المحاسبة المالية مؤسسة او هيئة سياسية وبالنتيجة فان عملية اختيار بديل محاسبي مقبول ماهي الا عملية سياسية ، وعليه يجب على مجلس معايير المحاسبة المالية بان ياخذ في نظر الاعتبار وبشكل صريح بالاوجه السياسية – اي الصالح العام والنظرية المحاسبية والبحث المحاسبي في قرارته ” لان لنظام المحاسبي يعمل في ظل بيئة داخلية واخرى خارجية تؤثر عليه بشكل او باخر وبصورة مباشرة وقدر تعلق الامر بالبيئة الخارجية فانها تمثل في التاثيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية ليس فقط الخاصة بالدولة او البلد الواحد وانما تنحسب الى مساحات جغرافية اوسع لتشمل البعد الاقليمي بل وحتى العالمي . وقد وزاد من هذا التاثير الخارجي وخصوصا في الجانب الاقتصادي المتغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدها ويشهدها العالم اليوم في ظل سياسة العولمة

اذ ان علاقة السياسة بالمحاسبة تعود اصلا في جوهرها الى العلاقة القوية بين السياسة والاقتصاد اذ انهما وجهان لعملة واحدة وان كل قرار سياسي له انعكاس اقتصادي وبلعكس ، وحيث ان العلاقة بين المحاسبة والاقتصاد متينة وقوية وان المحاسبة هي احد فروع العلم الام الاقتصاد ، لذا فان هنالك علاقة قوية بين المحاسبة والسياسة ولايمكن تحديد ايهما اولا فالانسان واحد هو سياسي وهو اقتصادي بنفس الوقت ، فالقرارات الاقتصادية لها اثار سياسية والقرارات السياسية لها اثر اقتصادية كما لايمكن القول بتحديد اين تبدا السياسة واين تنتهي ، واين يبدا الاقتصاد واين ينتهي فالحدود متداخلة ومشتركة ، بين الاقتصاد والسياسة تقع المحاسبة وتعمل من اجلها والمحاسبون بشر لهم مصالح اقتصادية ولهم تطلعات ومطامح سياسية ، وهم في غمرة الصراع بين الاقتصاديين والسيايسين او في غمرة الاتفاق يبقى دورهم مؤثرا في تشكيل الاثار الاقتصادية للقرارات السياسية وبا لعكس ، فضلا عما تقدم فان كل من السياسة والمحاسبة لهما طبيعة توظيفية في تنظيم الصراعات للمصالح المتعارضة ، اذ ان العملية السياسية تعبر عن وسيلة لعلاج اي اخفاقات في السوق ، لان الافراد في الحياة السياسية مثلهم مثل الافراد في السوق يتصرفون وفق مصالحهم الشخصية ، وان النظرية الاقتصادية الخاصة بالعملية السياسية مركز اهتمامها على حوافز الافراد للاندماج في مجموعات الضغط الخاصة بتحويلات الثروة ، وتمثل طرف هذه النظرية وتؤثر فيها من خلال وجود قوتيين متصارعتيين هما :

1- جماعات الضغط وهي الجماعات المهنية التي تمثل شكلا من اشكال التاثير في النظام السياسي

2- جماعات المصالح وهي الجماعات ذات الهدف الاقتصادي والتي تسعى الى تحقيقه والحفاظ عليه من خلال النظام السياسي

وفي ظل هذا التوازن فان الذين يتسلمون المنافع يكونون متحمليين لتكاليف مساوية لمنفعتهم الحدية المتوقعة وهؤلاء هم الذين يزودوا بتحويل الثروة ويتحملون تكاليف الانخفاض الحدي المتوقع في تحويل الثروة ولو ان تكاليف تخفيض الثروة كانت بنسبة كبيرة ومؤثرة في الوظيفة السياسية ، وعلى هذا الاساس فان العوامل التي تؤثر في نحاح الوظيفة السياسية كمحدد للتكاليف السياسية هي :

1- تكاليف المعلومات .اذا تكاليف المعلومات تتمثل في الاعفاء التي يتحملها الفرد الضاغط (الناخب) في سبيل حصوله على المعلومات التي تحكمه من تبني موقف معين مؤيد او معارض ، ثم تدفعه بعد ذالك للاندماج في جماعات ضغط معينه ، وتسمح تكاليف المعلومات في العملية السياسية باجراء تغيرات في الاجراءات المحاسبية

2- تكاليف التنظيم . وهذه تحدد تكاليف التنظيم وحجم الاعباء التي تتحملها مجموعات المصالح في العملية السياسية ، وتمثل مجموعات المصالح والضغط تكاليف المعلومات لتقرير اثار المداخل المختلفة لدعم مصالحها في جهد منظم وفعال مع السياسي ، والذي يتصرف وفق هذه المصالح . ووفق هذا التصور والمنظور فقد برز اتجاهان بعلاقة المحاسبة بالسياسية هما :

1- الاتجاه الاول يرى ان المحاسبة في طبيعتها العامة ذات طابع فني ومهني خاص بها وانها بعيده كل البعد عن التاثيرات السياسية

2- الاتجاه الثاني ياخذ بنظر الاعتبار اثر البعد السياسي في المحاسبة من منطلق التاثير العام للسياسية المحلية وحتى الدولية على كافة الانشطة ومنها المحاسبة وقد يكون الحال بلعكس في بعض الاحيان ، ويتمثل البعد السياسي في المحاسبة في كيفية تحقيق الموازنة في الصراع السياسي الذي يقوم بين جماعات الضغط من جانب وجماعات المصالح المختلفة من جانب اخر لذا فان من الكثير من الحالات يصار الى توجيه المحاسبة في اختيار وتطبيق المبادئ والاسس والمعايير المحاسبية التي تخدم مصالح هذا الطرف او ذاك ، وحتى قد تكون في بعض الحالات على حساب مصالح المجتمع الستراتيجية .


ان الضغوط والتاثيرات السياسية في العملية المحاسبية تبرز في الاتي :

1- ان المنظمات التي تسيطر على اعمال المحاسبة تمثل كيانات سياسية ومن ثم فان عملية اختيار الاسس والقواعد والمعايير المحاسبية تكون بالشكل الذي يخدم العملية السياسية ويحقق اهدفها

2- يولد حالة صراع بين مجموعات المصالح الذين يحاولون التعايش في طبيعة واتجاه التغيير داخل مهنة المحاسبة والمجتمع والوظيفة المحاسبية .
وهنا يتم الاهتمام بالمداخل التي تكون من اطراف متعددة لديهم مصالح متقاطعة او متصارعة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق